المملكة العربية السعودية
وزارة التربية والتعليم
إدارة التربية والتعليم بمحافظة مهد الذهب
رسالة
إلـى خـلـفـاء الـرسـول
صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم
تأليف الأستاذ :
مصلح المزيني
تحميل الرسالة إلى جهازك ( أكروبات )
1428 – 1429 هـ
واجعلني مباركاً أينما كنت
ورد في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن من الشجرِ شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي ؟ فوقع الناس في شجرة البوادي قال ابن عمر : فوقع في نفسي أنها النخلة ، فاستحييت ثم قالوا : حدثنا يا رسول الله ما هي ؟ قال : هي النخلة ولم يختر النخلة على غيرها إلا لأنها أكثر الأشجارِ ذكراً في القرآن ولدوام نفعها فهي دائمة الخضرة ولا تتأثر بالفصول الأربعة ولا تسقط أوراقها وفي كل شيء منها نفع ، فتؤكل بلحاً وبسراً ورطباً وتمراً وينتفع بجميع أجزاءها حتى النوى في علف الدواب والليف في الحبال وهكذا .....) فالمسلم بركته عامة في جميع الأحوال ونفعه له ولغيره حتى بعد موته فاحرص يا أخي المعلم أن تكون مثل النخلة .
قف !!!
قبل أن تقرأ هذه الرسالة أرجو منك أن تقرأ هذه الأبيات :
يا نـاظـراً فــيما عـنيـتُ بـجـمعـهِ ::: عـذراً فـإن أخـا الــفـضـيـلـة يـعـذُرُ
عِـلماً بـأن الـمرء لـو بلغ الـمدى ::: في العمر لاقى الموت وهو مقصرُ
فـإذا ظــفـرت بــزلةٍ فـافــتـح لـها ::: بــاب الــتـجـاوزِ فـالـتجـاوز أجـدرُ
ومـن المحال بأن ترى أحدٍ حوى ::: كُـنـه الــكـمالِ وذا هـو الـمـتـعـذرُ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله الذي علم بالقلم , علم الإنسان ما لم يعلم , أحمده سبحانه وأشكره على ما يسر و أنعم , وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وألزم ، وأشهد أن سيدنا محمد عبد الله ورسوله غفر الله له ما تأخر من ذنبه و ما تقدم , صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .... وبعد :
هذه تحية طيبة أبعثها إليك أخي المعلم عبرَ رسالةٍ خطتها يمين شخص فاضت به مشاعر الأخوة ، فأحب أن يهديك هذه الهدية ، وأنا على يقين بأن هناك ممن تقع هذه الرسالة تحت يده هو أفضل مني ، إلّا أن نفسي أبت أن تكتم علماً أو نصحاً عنك فيلجمها الله بلجامٍ من نار ، كما أنها - أي نفسي - أحبت أن تستحث من همم أولئك المعلمين الذين دائماً ما يتضجرون من مهنتهم ويرون أن فيها معاناة كبيرة لهم ، ولم يدر على ألسنتِ هؤلاء إلا قول إبراهيم طوقان :
لا تعجبوا إن صحتُ يوماً صيحةً ::: ووقعـتُ ما بـيـن الفصول قتيلا
يا مـن يــريـدُ الانـتحـار وجـدتـه ::: إن الـمعـلـم لا يـعـيـش طـويـلا
وكأنه قد غاب عن أذهانهم قول أمير الشعراء :
قـم لـلـمـعـلـم وفِّــه الـتـبـجـيـلا ::: كـاد المعلم أن يكـون رسـولا
أرأيت أشرف أو أعز من الذي ::: يـبـني ويـنشىءُ أنفساً وعقولا
فلعل الله أن يقذف هذه الهدية في قلب أحد هؤلاء أو من كان على شاكلتهم ، فيتحول من معلم ذا وظيفةٍ إلى معلم صاحب هدف ورسالةٍ سامية .
إنني أُخاطب في مطلع هذه الرسالة أولئك الذين لبِسوا تاج العلم وتحلوا بحلية المعرفة ، وأخص أولئك النفر الذين تركوا دورهم وديارهم وأموالهم وأولادهم وقطعوا السبل حتى استقر بهم المقام في فيافي مقفرة - أسال الله أن يكون ذلك في ميزان حسناتهم - ، قوم أبوا إلا أن تُشرق على يديهم شمس العلم في سماء الدنيا ليأفلَ منها ظلام الجهل ، ويكفي هؤلاء القوم فخراً أنهم حملوا على عاتقهم رسالة الأنبياء فساروا على خطاهم يعلمون الناس ويربونهم .
إنني أقول لخلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بالولاية وإنما بالتربية والتعليم أما علمتم أن الأنبياء آثروا تعليم الخلق على خلوات التعبد ؟ أما علمتم أن أول كلمة سماوية نزلت على حبيبنا صلى الله عليه وسلم كانت تسمو بقدرة العلم وتُعلن الحرب على الأمية ؟ أما سمعتم قول الله سبحانه وتعالى واصفاً نبيه صلى الله عليه وسلم : (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) سورة الجمعة أية 2.
فقل لي بربك - أيها المعلم - من الأقرب إلى تربية الناس وتعليمهم بعد الأنبياء ؟ أليسوا المعلمين ؟ أما تريد أن تقتفي أثرهم وتسلك منهجهم ؟
أُبشرك - أخي المعلم - بقول معلمنا الأول صلى الله عليه وسلم : ( إن الله وملائكته وأهل السماوات والأراضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في جوف البحر ليُصلون على مُعلم الناس الخير) رواه الترمذي . فأي فضل أعظم من هذا ؟
إننا اليوم نرى الأجيال يتجهون إلى المدارس فنشعر بأن غداً مشرقاً ينتظرُهم ، كيف لا والأمة بحاجةٍ ماسةٍ لهم لأن في تعليم هؤلاء حياة لقلوبهم من العمى ، ونور لأبصارهم من الظلمة ، وقوة لأبدانهم من الضعف ، فيتعلمون فيها أمور دينهم ليعيش أحدهم حياته على نور وبصيرة ، ويشق طريقه إلى بوابة الحياة . ولعل المسئول الأول والأخير عن أولئك النشء هو المعلم لأنه له الدور الأكبر في تغيير أنماط شخصية كل طالب من طلابه متى ما أحسن ذلك ، كما أنه الداعم الأساسي للأمة فمن تحت يده يخرج كل من يخدم المجتمع من ضباط ومهندسين وأطباء وغيرهم ، لذلك يُعد المعلم مربي الأجيال ، وصانع الرجال ، وعليه - بعد الله - تُعقد الآمال، ومن هنا يبرز دور المعلم .
إلّا أنه وللأسف الشديد لم يشعر بعض المعلمين - هداهم الله - بقيمة عملهم , وكأنه قد غاب عن علمهم أن تقدير المجتمع لهم لم يأت إلا لشرف مهنتهم ، فتجد بعضهم غير مخلصٍ في عمله , سريع الغضب والانفعال , ألفاظه بذيئة , وسلوكياته مشينة , تجده دائماً متذمراً ومتململاً من عمله ، وإن أدّاه أدّاه بهدف التخلص منه . هل تعتقد أن مثل هذا المعلم سيخرج من تحت يده جيل يخدم المجتمع ؟
والأدهى من ذلك أنك عندما تحاور أحدهم عن سبب تقاعسه في أداء عمله تجده يتعذر لك بأعذارٍ واهية ، يعتقد بأنها تشفع له تقاعسه ، وقد رأيت أن اغلب هذه الأعذار تتراوح بين :
_ضعف تأسيس الطلاب تعليمياً .
_عدم جدية الطلاب في التعلم .
_عدم توفر الوسائل التعليمة المناسبة .
_احتياج سوق العمل للمعلم مما دفعه أن ينظم إلى التعليم بدون رغبة .
_صعوبة نقله إلى مكان سكنه بسبب عدم الحاجة لتخصصه .
_بُعد منطقة سكنه عن مكان عمله .
_عدم توفر معظم مقومات الرفاهية في القرية .
_الظروف الخاصة التي يعيشها .
ورُبما بحث عن أسباب أخرى ليجعل منها شماعة يعلق عليها تقصيره .
وللأسف أن المتضرر الأول والأخير مع تلك الأعذار وغيرها هو الطالب ، فلو أن كلّ معلم قام بأمانتهِ على أكمل وجه لما حصل مثل هذا التقصير الذي نراه في مدار سنا .
أنا أؤمن بأن كُلّ إنسانٍ تعتريه ظروف تجعله يقصر في أداء عمله ، وهذه سُنة الله في الحياة أنها لا تبقى على حال ، كما أن الإنسان بطبعهِ بشر يملك كُتلةً من المشاعر والأحاسيس التي تؤثر عليه , بيد أن ذلك ليس عذراً له بأن يكون سلبياً طوال مدة عمله ، بل عليه أن يسعى جاهداً على مقاومة ظروفه لأنه صاحب رسالةٍ تُحتم عليه أن يؤديها في وقتها ، فالمنهج التعليمي منهج مترابط ببعضه فمتى ما فقد حلقه من حلقاته ، أثر ذلك على الطالب في السنوات التي تليها.
إن المتقاعسين من المعلمين عن أداء عملهم ليؤثرون على بقية زملائهم تأثيراً سلبياً من خلال تثبيط هممهم وإخماد نار الحماس فيهم .
إن المعلم المتذمر من وضعه الوظيفي ليُعد أنموذجاً سيئاً في أداء أما نته ، لأنه - في الغالب - يهدم ما يبني غيره ، لأن جهده تحصيل حاصل ، فهو يهتم بالكم دون الكيف , تجده في المدرسة بدن بلا روح , يثور لأدنى زلة تحدُث له .
أما ذلك المعلم الذي بقى مرهوناً في قفص التحطم واليأس لعدم نقله فإني أشفق عليه كثيرا ، لأنه استسلم لأقوال المُثبطين ، ولضعف إيمانه بالله ، لأنه لو عرف الله لرضي بقضائه الذي يأتي منه سبحانه بدون قدرة الشخص , وكأنه نسي بأن اختيار الله للعبد خير من اختيار العبد لنفسه ، فالله يعلم ما يصلح كل عبد .
عندما تأخذ أحدنا الشفقة والعاطفة على حال بعض المعلمين فنقوم بنُصحِهم لنُخفف مما هم فيه من الفتور وعدم الإحساس بالمسئولية ونسعى أن نرفع من معنوياتهم ونُحرك فيهم الإرادة وحُب العمل لا نجد منهم إلّا التهكم والاستهزاء ، فيتهموننا بعدم فهمنا لحقيقة مأساتهم لأننا لم نعش وضعهم لنشعر بما شعروا به ، حتى أثرت أعذارهم على إرادتهم فعجزوا عن أداء عملهم على أكمل وجه ، فلو عاش أولئك يومهم بفاعلية وسعوا إلى التقدم لا إلى الركود ، ولم يلتفتوا إلى توافه الأمور التي تؤثر عليهم لكان ذلك أفضل , كما أنهم لو دأبوا على الجد والإخلاص في العمل لما كان ذلك مآلهم .
إن ما سبق كان مجرد ذكر وليس حصر لبعض القيود التي يشتكي منها بعض المعلمين - هداهم الله - فأدت تلك القيود إلى تقصيرهم في أداء عملهم ، فيجب على هؤلاء التحرر من هذه القيود
التي اعترت طريقهم لنكمل وإياهم مسيرتنا ، ونؤدي واجبنا على أكمل وجه ، فنحن إخوة مُكملون لبعض ، والإنسان بطبعه - كائنا من كان - بحاجة إلى من يقف بجانبه ناصحاً ومرشداً وموجهاً ، لأن الأمانة التي نحمِلُها على عاتقنا عظيمة ، وهي ديّنٌ في رقابنا يجب الوفاء به , وإذا كانت الوظيفة هي بيت القصيد فاقرأ معي بتأمل قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا , وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله , ونفعه ما بعثني الله به , فعلِم وعلّم , ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) متفق عليه.
وإليك أخي المعلم بعضاً من الوصايا لعل فيها ما يُحفزك إلى الأفضل .
1/ الركن الشديد: أوصيك أولاً بما أوصاك به ربك ( يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً ) سورة الأحزاب أية 70 فتقوى الله هو الركن الشديد للعبد لأن من اتقى الله كفاهُ ووقاه ، ومن أقرضهُ جزاه ، ومن شكرهُ زاده , وهو أصل السلامة ، حارس لا ينام ، يأخذ باليد عند العثرة ، ويوافق على الحدود , فالزم تقوى الله في أحوالك كُلها :
ومن يتق الله يحمد في عواقبهِ ::: ويكفِه شر من عزّوا ومن هانوا
وإذا اتقى العبد الله أخلص له عمله لأنه آنذاك يكون قد أيقن أنه مطلع على ظاهره وباطنه ، يقال : إن الإخلاص سِرٌ بين العبد وربه لا يعلمه ملك فيكتبه , ولا شيطان فيُفسده ، ولا هوى فيميله ، ويقول ابن القيم : العملُ بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملاً ينقله ولا ينفعه .
فاعلم أخي أن الإخلاص أمر واجب على كل مسلم تجاه ربه وتجاه ما وكّل إليه من الأعمال ، لذلك فكما أن إخلاص العبادة أمر واجب فإن إخلاص العمل الوظيفي أوجب . فليكن رائدنا في حياتنا الإخلاص لله أولاً ثم الإخلاص في أعمالنا ، فاحتسب يا أخي عملك لله يقول الفاروق رضي الله عنه : " أيها الناس احتسبوا أعمالكم فإن من احتسب عمله كُتب له أجر عمله وأجر حسبته " .
أخي المعلم : إذا اتقيت الله وأخلصت له عملك وراقبته في شؤونك كُلها ولم تهدف بذلك إلا البحث عن رضاه سبحانه فابشر بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من التمس رضا الله بسخطِ الناس رضي اللهُ عنه وأرضى عنهُ الناس , ومن التمس رضا الناس بسخطِ الله سخِط الله عليه وأسخط عليه الناس ) صحيح ابن حيان .
2/ الرضا بالقدر والقضاء : معلمي الفاضل اعلم علماً يقيناً أن علم الله الأزلي محيط بالأشياء قبل حدوثِها ، وأن كل شيء قد كتبه باللوح المحفوظ وتيقن بأن كل ما يحدث في هذا الكون لا
يحدث إلا بإرادة الله , فإياك من السخط على قدر الله وقضائه في أي أمر، فأنت كما تعلم أن اختيار الله للعبد خير من اختيار العبد لنفسه وفي الحديث : ( أن رجلا كان يسأل الله عز وجل أن يرزقه الجهاد فهتف به هاتف إنك إن غزوت أُسِرت وإن أُسِرت تنصرت ) فكن راضياً دوماً بقضاء الله . قال لقمان لابنه : " أوصيك بخصال تُقربك من الله وتُباعدك من سخطه : أن تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وأن ترضى بقدر الله فيما أحببت وكرهت " .
3/ بادر وشمر : يُروى أن أحد علمائنا الأفاضل من شدة حرصه على نشر العلم ونفع الناس وحثه على التدريس والتعليم عندما سألهُ أحد أقاربه بعدما تخرج من الجامعة إلى أين يذهب ؟ فقال له حسبك التدريس متى تجد أكثر من أربعين نفسا يستمعون إليك اليوم ؟ لا تعدُ عيناك عن تعليم الناس الخير. فكيف بحالك أخي المعلم ؟ أسال نفسك كم طالباً فقط في هذا العام يدرس تحت يدك ؟ كم طالباً في مدرستك استطعت أن تؤثر عليه ؟ كم طالباً لديك في النشاط الذي ترأسه ؟ كم طالباً يسمعك وأنت تقول كلمة وعظية في الإذاعة أوفي حصة الانتظار ؟ كم طالباً استطعت أن تُغير سلوكه عندما رأيته يعملُ سُلوكاً خاطئا ؟ كم طالباً قرأ المنشورة أو سمع الشريط الذي وزعته بين الطلاب ؟ كم ؟ وكم ؟ وكم ؟ فهولاء كلهم حجة لك أو عليك أمام الله يوم القيامة .
4/ إلى القمة : إن النجاح مطلب الجميع ، والتميز ديدن الكل ، وكِلاهما يمكن تحقيقه متى ما وُجِدت الهمّة والإرادة والعزيمة ، فقد أُجريت في جامعة هارفارد الأمريكية دراسة في عام 72 و 78 و 1989م وفي عام 2006 م أثبتت هذه الدراسة أن تميز الشخص يعتمد على مهاراته الشخصية في مجال عمله فقط في7% بينما يتميز في مهاراته الشخصية وقدرته على استغلالها في 93 % فا سعى بعزيمتك إلى التقدم قال القرضاوي :
قـلت الحـياة هي التحرك ::: لا الــسكـون ولا الـهـمـود
وهي الجهاد وهل يجاهد ::: مـن تــعــلــق بــالــقــعــود
وهي الـتلـذذ بالـمـتاعـب ::: لا الــتـــلـــذذ بــالـــرقـــود
هي أن تـعـيـش خـلـيـفـة ::: في الأرض شأنك أن تسود
5/ هدفك اجتهادك : إن الإنسان - كائنا من كان - إذا عاش بدون هدفٍ يسعى إلى تحقيقه عاش متخبطاً في حياته , فلا أثار له تبقى ، ولا إنجازات تذكر، بل إنه سيتأثر بأيّ هزةٍ تحدِث له ، لذلك عليك أخي المعلم أن يكون لك هدف تريد تحقيقه ، ورسالة تريد إرسالها ، وخطة تريد السير عليها ، فكما قيل "على قدر الاجتهاد يكون النجاح " .
6/ نقطة تحول : التغير أساس الحياة الجديدة لكل بني البشر في جميع أقطار العالم ، وتذكر أنه لا يمكن لأحدٍ أن يُغير من حياتك ما لم تسع أنت لتغييرها ( إن الله لا يُغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم ) فابدأ من الآن بخطوة جديدة في حياتك تدفعك إلى الأمام .
7/ حماية الثغور : تذكر أخي المعلم أن كلّاً منا على ثغر من ثغور الإسلام ، فإياك أن يؤتى الإسلام من قبلك ، فأصلح ذاتك أولاً ثم أصلح من حولك لأنك إن أصلحت من حولك صلح حال المجتمع وإذا صلح حال المجتمع صلح حال الأمة ، وتذكر أن أعداء الإسلام يسعون لهدم عقيدتنا وسلوكنا الإسلامي فأسسها في طلابك تأسيساً متينا .
8/ لا مكان للتعليم : إن التربية والتعليم لا تنحصر في أروقة المدارس فقط ، بل إنها تمتد إلى خارجها ، فكن مُربياً ومُعلماً داخل المدرسة وخارجها من خلال تعاملاتك مع الآخرين وتصحيح السلوكيات الخاطئة التي تراها ، فمن تأمل بالسيرة النبوية نهج مُعلمنا صلى الله عليه وسلم وهو يُعلم ويربي أصحابه في كل موقف يراه لأخذ منها العبر ، فهاهو يسمع أبي ذر رضي الله عنه يُعير رجلاً بأمه فيقول له : ( يا أبا ذر أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية ) . ومرة أخرى يرى مع أصحابه أعرابياً يبول في ناحية من المسجد فلم يُعنفه كما فعل أصحابه بل جعله يقضي حاجته ثم دعاه وقال له : ( إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر وإنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن ) فعود نفسك على أن تُعدل أي سلوكٍ خاطىءٍ تراه .
9/ أنت والرعية : عزيزي المعلم أتق الله في رعيتك فإنك ستُسأل عنها يوم القيامة ، وتذكر بأن لك أثراً في صياغة وسير الأمة ، و لك دور في إنشاء جيل يفكِرُ بعقلٍ مسلم ، ويكتبُ بقلمٍ مسلم ، ويُدير كل ما يوكلُ إليه من أعمالٍ لخدمة دينهِ ومجتمعه ، فأثرك خطير ومهمتك صعبة وأجرك عظيم فأنت رُبّان السفينة فبيدك - بعد الله - نجاتها أو إغراقها .
10/ لا تنتظر شكراً من أحد : أخي اجعل عملك خالصاً لوجه الله ، ولاسيما إذا كنت مؤمناً بأن الله قد اطلع على ما قدمته , وتيقن أنك فائز بكل حال ، وإياك أن تنتظر شكراً من أحد , وإذا رأيت جميلك قد كُفر , وإحسانك حُرق , ومعروفك نُسي ، فلا تهتم أو تغتم أو تبالي واطلب الأجر من الله.
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ::: لا يذهب العرف بين الله والناس
فكن يا أخي كالنجم الذي يقضي عمرهُ من أجل بث النور للجميع دون أن ينتظر من أحدٍ رفع رأسه ليقول : شكراً لك.
11/ أُحِب مدرستي : اجعل مدرستك مكاناً يسعد الطلاب عند القدوم إليه ، واجعل حصتك من أكثر الحصص التي ينتظرها الطلاب ، وذلك من خلال تفعيلها فيما يخدم الطالب بأسلوبٍ شيقٍ وجذاب ، وليس هناك طريقة محددة يمكن تحديدها ولكن أنت من يختار الطريقة التربوية المناسبة فكما قيل ( لكل شيخ طريقته ) .
12/ علو الهمة : التحلي بها من سجايا الإسلام ، فهي الرقيب على جوارحك ، والطاقة الملتهبة في ذاتك ، حيث تمدك للوصول إلى المعالي ، فعالي الهمة يسعى دائماً إلى الزيادة فيندم على
فوات المحاسن ، ويتحسر على فُقدان المآثر ، إن علو الهمة علامة من علامات كمال العقل لأن الرضا بالدونية دليل على الدناءة .
ولم أر في عيوب الناس عيبا ::: كنقص القادرين على التمام
فكن يا أخي صاحب همة عالية ، لا تترك فضيلة يمكن تحصيلها إلا حصلتها ، وإن اجتهدت ولم تستطع لم تُلم .
إذا أظـمـأتـك أكــفّ اللـئـام ::: كفتك القناعة شبعا وريّا
وكُن رجلاً رِجلهُ في الثرى ::: وهامة همته في الـثُريّا
أبــيـاً لــنـائـــلَ ذِي ثــــروةٍ ::: تـراهُ بما في يـديـهِ أبيّا
فــإن إراقــة مــاء الــحـيـاة ::: دون إراقةِ ماءُ الـمُحيّا
13/ إياك والغضب: مرّن نفسك على ضبطها حال الغضب ، لأن الغضب يُخرج الإنسان من طوره ، بل إنه قد يجره إلى أمورٍ لا تُحمدُ عُقباها ، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( أوصني ؟ فقال له : لا تغضب فردد مراراً , قال : لا تغضب ) رواه البخاري وبين عليه الصلاة والسلام علاج هذه الآفة فجاء في مسند الإمام أحمد أنه قال : (علموا ويسروا ولا تعسروا وإذا غضبت فاسكت ، وإذا غضبت فاسكت ، وإذا غضبت فاسكت ) . كما جاء في سنن أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خُلِق من النار ، وإنما تُطفأُ النار بالماء ، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ) . قال أحد المفكرين : الغضب ريح تهب فتطفىء سراج العقل . وقد أكدت الأبحاث العلمية أن الغضب وتكراره يقلل من عمر الإنسان ، ولا يستطيع الإنسان أن يسيطر على غضبه فيُصاب بارتفاع ضغط الدم ، فيضطر قلبه لدفع كميةٍ من الدماء الزائدة إلى شرايينه الدقيقة ، فتتصلب جدرانها وتفقد مرونتها وقدرتها على تحمل ذلك الدم الزائد فيرتفع الضغط ، إضافةً إلى الأثار النفسية والاجتماعية التي تنجم عن الغضب ، فمرن نفسك من الآن على عدم الغضب والانفعال .
14/ لا : لا تجعل نهاية علاقتك لزميلك هي بداية كرهك له ، فقد تنتهي المحبة ولكن يبقى التقدير والاحترام .
15/ لا للعنف : هذه دعوة لتعديل سلوك الطالب بأسلوب حسن مناسب من غير ضرب أو عنف أو إهانة ، وهذا هو الأسلوب النبوي الذي كان يتبعه رسولنا صلى الله عليه وسلم ، وقصة الرجل الذي بال بالمسجد دليل على ذلك ، لأن الصحابة رضوان الله عليهم قاموا بتعنيفه إلا أنه عليه أفضل الصلاة والسلام دعاه بعد أن قضى حاجته وأخبره برفقٍ ولين , إن من يعتقد أن التعليم لا يتم إلا بالضرب والزجر قد جانب الصواب لأن هناك طرق أخرى يمكن استخدامها وهي أكثر جدوى ، وهذا لا يعني إنني أنفي تماماً فائدة الضرب بل هناك مواطن قد يحتاج المعلم فيها إلى التعنيف ، فالإسلام على سبيل المثال شرع الحدود لتربية الأخلاق والسلوك ولكن حسب الجرم يتم العقاب . وللأسف أن بعض المعلمين عندما تراه يضرب تشعر بأنه يقتص أو ينتقم من الطالب وتجده يبرر فعلته بأن هدفه التربية وتعديل السلوك ، فعليك أخي المعلم أن تعلم أن الظهور الملتهبة لا تحمل ذكرى طيبة لتلك السياط التي ألهبتها بقدر ما تحمل ذكرى طيبة لتلك اليد التي انتزعت السوط من يد ذلك الجلاد .
16/ ثواني ذهبية : الأيام تمضي بنا وهي تبسط ساعات والساعات تبسط أنفاس وكل نفس خزانة .... فاحذر أن يذهب نفس بغير شيء في الخزانة فتندم ، قال صلى الله عليه وسلم : ( احرص على ما ينفعك ... ) والحرص يعرف بأن نجعل أوقاتنا مليئة بالمنافع ، لأن الوقت إذا مر على الإنسان بدون فائدة ولا اكتساب عائدة لا يحسب من عمره ، فاحذر أخي المعلم من ضياع شيء من وقتك أثناء عملك بدون فائدة لأن ذلك يعد ضياعا لجزء من حياتك ، فضياع الوقت لا يوازيه شيء آخر سواه مهما كان نفيساً ، لأنك إن فرطت بأي شيءٍ يمكنك استرداده بينما إذا فرطت في ساعة من عمرك وأضعتها بدون أن تكتسب فيها خيراً لا يمكنك استردادها ولو بذلت في سبيلها ملء الأرض ذهبا ، فالوقت أثمن من كل شيء لاكما يقال " الوقت من ذهب " لأن الذهب يعوض أما الوقت فما مضى منه لا يعود أبدا .
حيـاتـك رأس الـمال والعلم ربحه ::: وأخـلاق أشـرافٍ بـهن تُصدرُ
ومـوسمك الأيــام فـلـتـكُ حــازماً ::: وإلا فذو التفريط لا شك يخسرُ
ومن ضيع الأوقات ضاعت حياته ::: وعاش فقيراً جاهلاً ليس يشكرُ
ودع غــائـباً مــن فـائتٍ ومــؤمـلٍ ::: فـوقـتك سيف قاطـع ليس يعذرُ
17/ داءٌ ودواء : جاء في الحديث : ( إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ) أخرجه ابن ماجه . فقد يبتلك الله ببلوى نتيجة ذنب اقترفته ، فاحذر من أن يكون ذنبك هو تقصيرك في أداء واجبك ، أو خيانتك للأمانة التي أُلقيت عليك .
18/ أخلاق وضغائن : إن أعلى الشهادات اليوم في أي تخصص كان ليست إلا مجرد ورقة لا قيمة لها إن لم يحضنها أمرين : قلب سليم , وخلق قويم .
قلب سليم خالياً من الضغائن ، مُطهرٌ من الحسد ، ومنفى من الحقد ، وسليماً من البغضاء و الشحناء .
الحقد : هو باب الحسد فإذا حقد الإنسان على أخيه حسده ، وهو خلق سيء لمن اتصف به ، يقول الشاعر في الحث على البعد عنه :
كُن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعاً ::: يرمي بصخرٍ فيرمي أطيب الثمر
الحسد : يأتي نتيجة للحقد , وهو أول ذنب عصي الله به في السماء ، وأول ذنب عصي الله به في الأرض ، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " قال إبليس لجنوده : ألقوا بين الناس التحاسد والبغي فإنهما يعدلان الشرك " . وقال بعضهم : الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلا, ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبُغضا , ولا ينال من الخلق إلا جزعاً وغمّا , ولا ينال عند النزع إلا شدة وهولا ، ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة ونكالا .
يا حاسداً لي على نعمتي ::: أ تدري على من أسأت الأدب ؟
أسأت على الله في حُـكمهِ ::: لأنـك لـم تـرض لـي مـا وهب
فـأخـزاك ربي بـأن زادني ::: وسدّ عـلـيـك وجـوه الـطـلـب
والفرق بين الحقد والحسد : أن الحقد هو إضمار الشر للآخر عندما لم يتمكن من الانتقام منه حتى تأتي الفرصة المناسبة , أما الحسد فهو تمني زوال نعمة المحسود أو السعي لإزالتها ، والحقد هو الداعي إلى الحسد ، بينما الحقد يأتي نتيجة شدة الغضب .
البغضاء والشحناء : فلو علم الكثير منا عن جزاء من فعله لما تباغضنا ، جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( تُفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيُغفرُ لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء , فيقال : أنظروا هذين حتى يصطلحا , أنظروا هذين حتى يصطلحا ، أنظروا هذين حتى يصطلحا ) . فلو بقي عملك الذي لم تعمله إلا و أنت ترجو من الله قبوله معلق بسبب مشاحنتك لأخيك فما فائدة عملك ؟ أما آن لك أن تصطلح مع أخيك ؟ ألم تسمع بقصة ذلك الصحابي الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة فلما سُئل عن سبب بشارته بالجنة قال أنه لم يبت ليلة ونفسه تحمل على أخيه شيء ، فارقَ ينفسك أخي المعلم من هذه الصفات وأمثالها فإنها من سفاسف الأمور ورذائلها ، وكُن متسامحاً مع زملائك .
أما الخلقُ القويم فهو الروض الذي يستظل بأشجاره , ويتغذى بثماره ، ويتعطر بشذا أزهاره ، وهو أصل من أصول الدين ومرآة لصاحبه ، فمن لا دين له لا خلق له . قال عبد الله بن المبارك : الخلق : هو طلاقة الوجه ، وبذل المعروف ، وكف الأذى .
وقد نوه الإسلام بالخلق الحسن ودعا إلى تربية المسلمين عليه وتنميته في نفوسهم ، وقد بين حبيبنا صلى الله عليه وسلم فضله فقال في الحديث الذي رواه الترمذي : (ما شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق ) . فأوصيك أن تتمسك به بحبلٍ متين لتكن ممن قال عنهم رسولنا صلى الله عليه وسلم : ( إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ) رواه أبو داود . يقول المارودي : إذ حسنت أخلاق الإنسان كثر مصافوه ، وقل معادوه ، فتسهلت عليه الأمور الصعاب ، ولانت عليه القلوب الغضاب . قال الشاعر :
والمرء بالأخلاق يسمو ذكره ::: و بها يفضل في الورى ويوقر
فكن يا أخي الفاضل حريصاً على مكارم الأخلاق فهي السبيل إلى التقدم ، ولعل من الثمرات التي تجنيها بحسن خلقك : حب الناس وتقديرهم لك , قلة مشاكلك في الحياة , تيسير أمورك , ولعل الثمرة العظمى التي تجنيها قربك من الله في الآخرة .
صلاح أمرك للأخلاق مرجعة ::: فقوم النفس بالأخلاق تستقم
ومن هذه الأخلاق التي حث الإسلام عليها :
الابتسامة : السحر الحلال , إنها عربون المودة والمحبة ، إنها الرسول
الذي لا يرد ، فإياك ثم إياك أن تتنازل عنها فإنها مغنم وربح عظيم تحمل في طياتها
الحب والسلام ، تسكن إليها النفوس وترتاح ، وهي صدقة متقبلة تدل على أن صاحبها راضٍ
ومطمئن جاء في الحديث : ( تبسمك في وجه أخيك صدقة ) .
إن الابتسامة لها عملها في تشييد صروح المحبة ، وإزالة الأكدار التي يجدها الشخص في نفسه ، وتمنح الشخص قوة في نفسه وبدنه , فلا تبخل بها واحذر البؤس والتباؤوس فهو ناقض للود .
الكلمة الطيبة : من أعمال البر التي حث الإسلام عليها قال صلى الله عليه وسلم : ( الكلمة الطيبة صدقة ) متفق عليه . ويقول أحد الحكماء : بالكلمة الطيبة تستطيع أن تنال أكثر ما ترجو، وتملك أعز شيئا عند إخوانك، وهي لا تُكلفك جهداً ولا مشقة ، وتستطيع أن تقولها في أي وقت كان .
وللكلمة الطيبة أثر في تأليف القلوب وتطيب النفوس . يقول يحيى بن معاذ : أحسن شيء كلام رقيق ، يستخرج من بحرٍ عميق ، على لسان رجلٍ رقيق . فكم من كلمة سيئةٍ ألقاها صاحبها ففرقت بين القلوب وزرعت الكُرهَ في النفوس .
التواضع : قال صلى الله عليه وسلم : (... وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله عز وجل ) رواه مسلم . فالتواضع أحد مصائد الشرف و به كسب رسولنا صلى الله عليه وسلم قلوب الناس من حوله .
تواضع إذا مانلت في الناس رفعة ::: فإن رفيع القوم من يتواضع
فإياك أن تتكبر على زملائك ، وتظهر على طلابك بمظهر الأستاذية ، وتنظر لهم بنظرة دونية ، لأن تلك صفة شيطانية ، لا تورث في القلوب إلا العدوانية .
الإحسان للآخرين : جاء في الحديث : ( جُبلت النفوس على حب من أحسن إليها ، وبُغض من أساء إليها ) فالجميل كاسمه ، والمعروف كرسمه ، والخير كطعمه .
إن فعل الخير كالطّيب ينفع حامله وبائعه ومشتريه ، يقول ابن عباس رضي الله عنه : " ما رأيت رجلا أوليته معروفاً إلا أضاء ما بيني وبينه , ولا رأيت رجلاً أوليته سوءاً إلا أظلم ما بيني وبينه " . ونحن كمعلمين ينبغي لنا أن نكسب طلابنا من خلال خدمتهم فيما نستطيع لنستميل قلوبهم .
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ::: فطالما استعبد الإنسان إحسان
أخي المعلم ذكرت لك أهم الأخلاق المذمومة والمحمودة التي كثيراً ما تواجهك في الميدان التربوي وتذكر أن اللقاء الودود والوجه المنبسط ينميان المشاعر الحية والرغبة في التعاون على الخير ، قال صلى الله عليه وسلم : ( لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق ) . فالكلمة الطيبة ، والوجه البشوش ، واللقاء الحسن ، لا يُعادِلها شيء ، لذا يجب أن يكون أسلوبك مهذب لتكن قدوة لطلابك وتحقق ما ترجو ، وإذا رأيت من أحد طلابك أو زملائك خلقٍ تكرهه فاعلم بأن له أخلاقاً أخرى جميلة ، وحسبك أن يكون لك من أخيك أكثره .
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ::: كفى المرء نبلاً أن تُعد معايبه
و إذا رأيت من أخيك عيباً إياك أن تغشه بسكوتك عنه ، قيل لأحد الحكماء : " إذا رأيت من أخيك عيباً فإن كتمته فقد خنته ، وإن قلته لغيره فقد اغتبته ، وإن واجهته به فقد وحشته ، فقيل : كيف نصنع ؟ فقال : تُكني عنه وتعرض به وتجعله في جملة الحديث " . واحذر من أن تنصحه علانية فتفضحه يقول الشافعي رحمه الله : من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه ، ومن وعظه علانيةً فقد فضحه وشانه . وتذكر دائماً أن حسن الخلق يغطي على السيئات وأن سوء الخلق يغطي على الحسنات . فكن يا أخي من اليوم متعاوناً مع طلابك وزملائك لنقف صفاً واحداً كالبنيان المرصوص .
النمل تبني قراها في تماسكها ::: والنحل يجني رحيق الشهد أعوانا
فطوبى لك أخي المعلم إذا أصلحت بين زملائك أو بين طلابك ( ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) سورة النساء آية 114.
*** يقول الجاحظ : إذا كان الحب يُعمي عن المساوي ، فالبغض يُعمي عن الحقائق والمحاسن .
19/ القدوة : لما حفر المسلمون الخندق أشتكى الصحابة رضوان الله عليهم للنبي صلى الله عليه وسلم من الجوع فكشف عليه الصلاة والسلام لهم عن بطنه الشريف وكان رابطاً على بطنه حجرين , وكأنه يقول إن كنتم تربطون في بطونكم حجراً فأنا أربط حجرين , فلو كان رسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام متكئاً على أريكة يـأكل ويشرب وأصحابه رضوان الله عليهم يحفرون الخندق في الجوع والبرد أكان ذلك هيناً في نُفوسهم ؟ لو كان المعلم كثيراً ما يعد طلابه بهدايا ولا يأتي لهم بها فهل سيصدقونه ؟ إذا كان المعلم يشرب الدخان على مرأى من طلابه ثم يقوم بتحذيرهم منه فهل يقبلون نصيحته ؟ إذا كان المعلم واضعاً نغمةً موسيقيةً في جواله عندما يأتيه اتصال والطلاب يسمعونها فهل سيجدي دوره إن حذرهم من سماع الأغاني ؟ الأمثلة كثيرة ولكن المهم أن تجيب أنت بنفسك إن كنت تمارس أعمالاً أمام الطلاب وتُحذر الطلاب منها فهل سيقبلون ذلك منك ؟ أنا أُومن بأن كل منّا لديه تقصير ولكن ذلك التقصير أو النقص لا ينبغي أن يكون على مرأى من الطلاب لأنهم سيقتدون بك فكما قيل : " إذا أردت أن تكون إمامي فكن أمامي " . فإن كنت مُدخناً فإياك أن تُدخن أمامهم بل قم بتحذيرهم منه :
إذا لم يعظ في الناس من هو مذنب ::: فمن يعظ العاصين بعد محمد
*** إذا أردت أن تغرس بطلابك خلقٍ فاضل فكن لهم قدوة فيه ليقتدوا بك .
20/ تأمل أخي المعلم هذا الحديث واجعله نصب عينيك ، وتذكر بأنه دعاء من أشرف الخلق صلوات الله وسلامه عليه وهو يغني عن كثير من الكلام قال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فا شقق عليه ، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به ) رواه مسلم .
21/ الأمانة : قال تعالى ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) سورة المعارج آية 32
وجاء في الحديث : ( أدّ الأمانة إلى من أئتمنك ) ، الأمانة في الإسلام واسعة الدلالة وهي ترمز إلى معاني شتى مناطها جميعاً شعور المرء بالمسئولية في كل ما يسند إليه أمام الله أولاً ثم أمام مجتمعه ، وقد كُلفت أخي المعلم بأمانة يجب عليك أداءها بدون تفريط منك أو تهاون .
وارع الأمانة والخيانة فاجتنب ::: واعدل ولا تظلم يطيب المكسب
ومن معاني الأمانة وضع الشخص في المكان الجدير به واللائق له فلا يسند منصب إلا لصاحبه ، وذلك من خلال اختيار أحسن الناس للقيام بالعمل المكلف به بدون التحيز لشخص لا يستحقه ، لأننا إن وضعنا في المنصب من لا يستحقه عُدّ ذلك خيانة قال صلى الله عليه وسلم : ( من استعمل رجلاً على عصابة وفيهم من هو أرضى منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ) أخرجه الحاكم . فاعلم أخي المعلم أنك مؤتمن على أداء واجبك الموكل إليك كاملاً بما تقدر عليه من جهد على كمل وجه .
22/ عمرك الثاني : يقول المفسرون عن قول الله تعالى على لسان أبينا إبراهيم عليه السلام ( واجعل لي لسان صدقٍ في الآخرين ) أن المقصود الثناء الحسن . ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : " عنوان صحيفة الميت ثناء الناس عليه " . فقد كتب الله لكل حيّ أجل فإذا جاء
أجله ودُفن بقى له من دنياه ذكره وعمله ، فأما العمل فبينه وبين ربه وأما الذكر فيبقى بين الناس فقد يكون ذكراً حسنا ، وقد يكون سيئاً - عياذاً بالله - يقول ابن دريد :
وإنما المرءُ حديث بعده ::: فكن حديثاً حسناً لمن وعى
فاحرص أخي المعلم أن تُبقي أثراً حسناً وذكراً طيباً يذكرك به من جاء بعدك
عمر الفتى ذكره لا طول مدته ::: وموته خزيه لا يومه الداني
وقد قالوا قديما : إن لكل إنسان وجوداً وأثر, ووجوده لا يغني عن أثره , ولكن أثره يدل على قيمة وجوده . فاترك لك ما ترجو الانتفاع به في أخرتك وأصلح لعملك سريرتك فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله ، وعبقت القلوب بنشر طيبه ، فالله الله في السرائر فإنه لا ينفع مع فسادها صلاح ظاهر .
فــخــذ لك زاديـن مـن ســيـرة ::: ومـن عملٍ صالـحٍ يـُدّخـر
وكُن في الطريق عفيف الخُطا ::: شريف السماع كريم النظر
وكـُـن رجــلاً مـن أتــوا بـعـدهُ ::: يـقـولـون مـرّ وهـذا الأثــر
23/ الظلم : الظلم أفة خطيرة ما انتشر في مجتمع إلا وأصابته الفوضى وساده الانقسام ، وقد توعد الله الظالمين بقوله : ( ومن يَظلِم منكم نذقه عذاباً كبيرا ) سورة الفرقان أية 19 وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ليُملي للظالم فإذا أخذهُ الله لم يلفته ).
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً ::: فالظلم يرجع عقباه إلى الندم
تنام عيناك والمـظـلـوم منتبهاً ::: يدعو عليك وعين الله لم تنم
فيا من ظلمه مديره أو مشرفه أو أحد زملائه تذكر بأن هناك رباً عادلاً ومنصفاً سيأخذ لك بثأرك ، وإن لم يأت هذا اليوم في الدنيا فإنه سيأتي يوم يجمع الله الخلائق ويرد لكل منا مظلمته فالحاكم هو الله والشهود هم الملائكة .
إلى الديان يوم الحشر نمضي ::: وعند الله تجتمع الخصوم
24/ ماذا تقول له ؟ : قال تعالى (كل نفسٍ ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون ) سورة العنكبوت آية 57
قال النبي صلى الله عليه وسلم : (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت , والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) .
الموت أقرب غائب ينتظرك , فربما تظلِمُ هذا ، وتأكل مال هذا , وتعتدي على هذا , وتسفك دم هذا , فطعامك حرام , وملبسك حرام , ومشربك حرام , ومع كل هذا تنسى أن الموت يطلبك .
فليت شعري ماذا أنت قائل لرب العالمين إذا وقفت بين يديه وحيداً وسألك عن كل ما فعلته في حياتك ، فأعد للسؤال جواباً وليكن صائبا.
أخي ! هل فكرت في النار التي حرّها شديد , وقعرها بعيد , وطعام أهلها الزقوم والصديد .
أخي إن الموت لا يستشير كبيراً لِكبره ، ولا مسئولاً لمنزلته ، ولا يرحم صغيراً لصغره ( كل نفسٍ ذائقة الموت ) وما من مخلوق طال عمره وامتد أجله إلا والموت نازل به ، ولو كان الخلود مكتوباً لأحد لكان الأولى بذلك صفوة الخلق – الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام .
والموت باب وكل الناس داخله ::: فليت شعري بعد الموت ما الدار
أخي لا تظن أن الموت لا يأخذ إلا الكبار فها هو كل يوم يخطف شاباً إما في مرض أو في حادث أوفي جلطة أو ... أو ... إلخ
ها أنت كل يوم تُشيع جنازة وغدا ستُشيع جنازتك فيضعك أحبابك تحت التراب وحيدا ، وتحاسب وحيدا ، وتُبعث وحيدا ، ويوم القيامة يتخلى عنك الجميع فما أعددت لتلك الساعة ؟ نظر عمر بن عبد العزيز رحمه الله وهو في جنازة إلى قومٍ قد تلثموا من الغبار والشمس وانحازوا إلى الظل فبكى وأنشد :
من كان حين تُصيب الشمس جبهته ::: أو الـغبار يخـاف الـشين والشـعثا
ويـألـف الـظـل كـي تـبـقى بشـاشـته ::: فـسوف يسكن يـوماً راغـماً جـدثا
فـي قـعـر مـظـلمةٍ غـبراء مـوحـشة ::: يطيل في قعرها تحت الثرى اللبِثا
تـجــهــزي بـجــهـازٍ تـلـعـبــيـن بـه ::: يا نفس قبل الردى لم تُخلقي عبثا
25/ سؤال : أخيراً أقول لك ما الذي قد تحاول عمله إذا عرفت أنك لن تفشل ؟ لماذا تقف مكبل اليدين ؟ هل يرضيك واقعك ؟ ألا تريد التقدم ؟ ألا تخاف ما بعد الموت ؟
___
كلام من ذهب
حُكي أن حاتم الأصم كان تلميذاً لشقيق البلخي رحمهما الله تعالى ، فقال له يوما : منذ كم صحبتني ؟ قال : منذ ثلاث وثلاثين سنه قال : فما تعلمت مني في هذه المدة ؟ قال : ثماني مسائل .
قال شقيق : ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) ذهب عُمري معك ولم تتعلم إلا ثماني مسائل . فما هي ؟
قال الأولى : نظرت إلي هذا الخلق فرأيت كل واحد يُحب شيئا فلا يزال محبوبه معه فإذا ذهب إلى قبره فارقه محبوبه فجعلت الحسنات محبوبي فإذا دخلت قبري دخل محبوبي معي .
قال : أحسنت فما الثانية ؟
قال الثانية : نظرت في قول الله تعالى : ( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى ) فعلمت أن قوله تعالى حق ، فأجهدتُ نفسي في دفعِ الهوى حتى استقرت على طاعة الله تعالى .
الثالثة : إني نظرت إلي هذا الخلق فرأيت كل من معه شيئا له قيمة وله عنده مقدار يحفظه ثم نظرت في قول الله عز وجل : (ما عندكم ينفذ وما عند الله باق ) فكلما وقع عليّ شيء له قيمة ومقدار وجهته إلى الله تعالى ليبقى لي عنده .
الرابعة : نظرت إلي هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يرجع إلي المال والحسب والشرف والنسب فنظرت فإذا هي لاشيء ثم نظرت إلى قوله تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) فعمدت إلى التقوى حتى أكون عند الله كريما .
الخامسة : نظرت إلي هذا الخلق فوجدت بعضهم يطعن في بعض ويلعن بعضهم بعض فعلمت أن أصل كل ذلك الحسد فنظرت إلي قوله تعالى : ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ) .... فتركت الحسد وعداوة الخلق وعلمت أن الذي قسم لي كائناً لابد منه .
السادسة : نظرت إلى هذا الخلق يبغي بعضهم على بعض ويُعادي بعضهم بعضا ، فنظرت إلى عدوي في الحقيقة فإذا هو الشيطان وقد قال الله تعالى : ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ) فعاديته وأحببت الناس أجمعين .
السابعة : نظرت إلى الخلق فوجدتهم يطلبون الكثرة ويُذلون أنفسهم بسببها ، ثم نظرت إلى قوله تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) فعلِمت أني من جُملة المرزوقين فاشتغلت بالله عز وجل وتركت ما سواه .
الثامنة : نظرت إلى هذا الخلق فرأيتهم يتوكل بعضهم على بعض ويتوكل هذا على تجارته وهذا على صناعته وهذا على صحته وكل مخلوق يتوكل على مخلوق فرجعت إلى قوله عز وجل : ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) فتوكلت على الله تعالى . فقال شقيق : و فقك الله يا حاتم فلقد جمعت الأمور كلها .
الخاتمة
تم بحمد الله وعونه وتوفيقه الوصول إلى نهاية هذه الرسالة المتواضعة التي أهديها إلى خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم والتي خرجت من قلبِ أخٍ مُحبٍ لك فلعلها تصل إلى قلبك ، كتبتها بمدادٍ من المحبة فلعلها لا تجد في نفسك ما يصرِفُها .
إنه لا يخفى عليك أخي الكريم أن العلم هو أشرف العبادات وأفضل ما يُحلي المرء من الصفات وهو الآمر بالمصالح والناطق بالنصائح ومنفعتهُ معروفه ، وأنت أغنى من أن أخبرك عن فضله وقيمته ، إلا أنني أردت أن يكون ما كتبته لك همسة في أُذنك فإن كنت ناجحاً في عملك ازددت نجاحا على نجاح وإن كنت مقصراً دعاك تقصيرك إلى الاجتهاد والمثابرة فبذلك تصبح لبنةً صالحةً في بناء مجتمعك ابتداءً من إصلاح ذاتك حتى تصل إلى هدفك .
إن هذا الجهد الذي بين يديك جهدٌ بشريٌّ مُعرضٌ للخطأ واختلاف وجهات النظر ولا يسعني إلا أن أقول لك.
إن تجد عيبا فسُدّ الخللا ::: جلّ من لا عيب فيه وعلا
واعلم بأن هذه الرسالة لم أوفيها حقها لضيق الوقت ، وابتعادي عن الإسهاب ، فخير الكلام ما قلّ ودلّ ، ولعل السبب الأكبر هو أن الهدف الكائن من كتابة هذه الرسالة هو تذكير زملائي وشحذِ هممهم .
إنني أودُّ أن يكون ما كتبته حبراً لمن لا يستطيع الكتابة ، وصوتاً لمن لا يستطيع الكلام فيكون لحبرهِ صدى ولكلمته صوت .
أسال الله أن يُعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم إنه نعم المولى ونعم النصير .
وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين .
B
المراجع :
1/ صيد الخاطر للإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي دار الكتاب العربي بيروت 1426 هـ 2005 م .
2/ التربية والتعليم د / عبد الباري الثبيتي 1423 هـ 1424 هـ .
3/ كنوز وجواهر الجزء الأول الطبعة الثانية دار الشريف للنشر والتوزيع 1423هـ 2002 م .
4/ صناعة القائد د / طارق السويدان و أ / فيصل باشراحيل الطبعة الثالثة 1425 هـ 2004 م .
5/ سنبلة قلم عبد الملك القاسم دار القاسم الرياض الطبعة الأولى 1428 هـ 2007 م .
6/ سجل تاريخك من اليوم صالح الضرمان دار طيبة الخضراء للنشر والتوزيع مكة المكرمة 1428 هـ .